البغدادي
413
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
وقد نقل الكرمانيّ كلام الدرّة في « شرح شواهد الخبيصيّ » ثم قال : يمكن تصحيح المثلين حقيقة ، وهو أن الحوت لا يشرب ماء البحر ما أمكنه لملوحته ؛ فهو إذن ظمآن . ولكثرة صبره على العطش مع وجود الماء كأنه ريّان ، إذ لولا أنه كذلك لشرب الماء . وجاز أن يكون قلّة شربه لخوف غرقه بوصول الماء إلى جوفه متجاوز الحدّ . هذا كلامه ، ولا ينبغي له تسطير مثل هذا . والوجه أن يقال : لوجوده في الماء إنما ضرب المثل بريّه ، ولعدم طاقته على مفارقة الماء قيل : « أظمأ من حوت » . كأنّ ملازمته للماء إنما هي لشدّة ظمئه . وقال صاحب حياة الحيوان : هذا البيت مثل يضرب لمن عاش بخيلا شرها « 1 » . وهو من رجز طويل لرؤبة بن العجّاج ، عدّته أربعمائة وخمسة وثلاثون بيتا ، مدح به أبا العبّاس السفّاح أول الخلفاء العباسيّة . وأوله « 2 » : * قلت لزير لم تصله مريمه * وذكر في أواخره فقره وشدّة حاجته إليه . وهذه قطعة منه « 3 » : * جاءك عود خندفيّ قشعمه * « العود » ، بالفتح : المسنّ القديم ، وأصله في الإبل ، عنى به نفسه . و « خندف » : امرأة الياس بن مضر . وأراد بكونه خندفيّا أنه عدنانيّ لا قحطاني . و « القشعم » : الكبير . * عليه من لبد الزّمان هلدمه * « لبد الزّمان » ، بكسر اللام وسكون الموحدة : جفوفه ووسخه . و « هلدمه » : ما تراكم بعضه على بعض ؛ وقال بعضهم : خلقانه . وهو بكسر الهاء والدال وسكون اللام بينهما .
--> ( 1 ) انظر حياة الحيوان للدميري في رسم ( الحوت ) . ( 2 ) الرجز في ديوان رؤبة ص 149 - 159 ؛ وشرح أبيات المغني للبغدادي 3 / 3 ، 9 . ( 3 ) الرجز لرؤبة في تاج العروس ( وجب ) ؛ وتهذيب اللغة 11 / 224 .